الأبشيهي

516

المستطرف في كل فن مستظرف

الفصل الثاني في الصبر على المكاره ومدح التثبت وذم الجزع قد مدح الله تعالى الصبر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة وأمر به وجعل أكثر الخيرات مضافاً إلى الصبر وأثنى على فاعله وأخبر أنه سبحانه وتعالى معه وحث على التثبت في الأشياء ومجانبة الاستعجال فيها فمن ذلك قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة وإن الله مع الصابرين " " البقرة : 153 " . فبدأ بالصبر قبل الصلاة ثم جعل نفسه مع الصابرين دون المصلين . قوله تعالى : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " " الزمر : 10 " " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا " " السجدة : 24 " . وقوله تعالى : " وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا " " الأعراف : 137 " . وبالجملة فقد ذكر الله سبحانه وتعالى الصبر في كتابه العزيز في نيف وسبعين موضعاً . وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم به فقال تعالى : " فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم " الأحقاف : 35 " . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار كثيرة فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " النصر في الصبر " . وقوله عليه الصلاة والسلام : " بالصبر يتوقع الفرج " . وقوله : " الأناة من الله تعالى والعجلة من الشيطان فمن هداه الله تعالى بنور توفيقه ألهمه الصبر في مواطن طلباته والتثبت في حركاته وسكناته وكثيراً ما أدرك الصابر مرامه أو كاد وفات المستعجل غرضه أو كاد " . وقال الأشعث بن قيس : دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فوجدته قد أثر فيه صبره على العبادة الشديدة ليلا ونهاراً فقلت يا أمير المؤمنين : إلى كم تصبر على مكابدة هذه الشدة فما زادني إلا أن قال : [ من البسيط ] إصبر على مضض الإدلاج في السحر * وفي الروح إلى الطاعات في البكر إني رأيت وفي الأيام تجربة * للصبر عاقبة محمودة الأثر وقل من جد في أمر يؤمله * واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر فحفظتها منه وألزمت نفسي الصبر في الأمور فوجدت بركة ذلك . وعن أبي سعيد الخدري